العيني
59
عمدة القاري
الأثران الموقوفان برجال ثقات يوضحان أنه ركب البحر إليه . وعن هذا قال ابن رشيد : يحتمل أن يكون ثبت عند البخاري أن موسى ، عليه الصلاة والسلام ، توجه في البحر لما طلب الخضر ، وحمل ابن المنير كلمة : إلى ، بمعنى : مع ، يعني : مع الخضر ، وقال بعضهم : يحمل قوله : إلى الخضر ، على أن فيه حذفاً ، أي : إلى قصد الخضر ، لأن موسى ، عليه الصلاة والسلام ، لم يركب البحر لحاجة نفسه ، وإنما ركبه تبعاً للخضر . قلت : هذا لا يقع جواباً عن الإشكال المذكور ، وإنما هو كلام طائح ، ولا يخفى ذلك . الرابع : أن موسى عليه السلام هو ابن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم ، عليه السلام ، ولد وعُمِّر عمران سبعون سنة ، وعْمرِّ عمران مائة وسبعاً وثلاثين سنة ، وعُمِّر موسى ، عليه السلام ، مائة وعشرين سنة . وقال الفربري : مات موسى وعمره مائة وستون سنة ، وكانت وفاته في التيه في سابع آذار لمضي ألف سنة وستمائة وعشرين سنة من الطوفان في أيام منوجهر الملك ، وكان عمره لما خرج ببني إسرائيل من مصر ثمانين سنة ، وأقام بالتيه أربعين سنة . ولما مات الريان بن الوليد الذي ولَّى يوسف على خزائن مصر ، وأسلم على يديه ملك بعده قابوس بن مصعب ، فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى ، وكان جباراً ، وقبض الله يوسف ، عليه السلام ، وطال ملكه . ثم هلك وملك بعده أخوه الوليد بن مصعب بن ريان بن أراشة بن شروان بن عمرو بن فاران بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح ، عليه السلام ، وكان أعتى من قابوس ، وامتدت أيام ملكه حتى كان فرعون موسى عليه السلام الذي بعثه الله إليه ، ولم يكن في الفراعنة أعتى منه ولا أطول عمراً في الملك منه ، عاش أربع مائة سنة . وموسى معرب : موشى ، بالشين المعجمة ، سمته به آسية بنت مزاحم امرأة فرعون لما وجدوه في التابوت ، وهو اسم اقتضاه حاله ، لأنه وجد بين الماء والشجر . فمو ، بلغة القبط الماء ، و : شى ، الشجر فعرب فقيل : موسى ، وقال الصغاني : هو عبراني عرب ، وقال أبو عمرو بن العلاء : موسى اسم رجل ، وزنه مفعل ، فعلى هذا يكون مصروفاً في النكرة . وقال الكسائي : وزنه : فعلى ، وهو لا ينصرف بحال . قلت : إن كان عربياً يكون اشتقاقه من الموس ، وهو حلق الشعر ، فالميم أصلية . ويقال من : أوسيت رأسه ، إذا حلقته بالموسى ، فعلى هذا : الميم ، زائدة . وقال ابن فارس : النسبة إليه موسي ، وذلك لأن الياء فيه زائدة ، كذا قال الكسائي ، وقال ابن السكيت في كتاب ( التصغير ) : تصغير اسم رجل مويسي ، كأن موسى فعلى . وإن شئت قلت : مويسى ، بكسر السين ، وإسكان الياء غير منونة . ويقال في النكرة : هذا مويسى ومويس آخر ، فلم تصرف الأول لأنه أعجمي معرفة ، وصرفت الثاني لأنه نكرة . وموسى في هذا التصغير مفعل . قال : فأما موسى الحديدة فتصغيرها : مويسية ، فمن قال : هذه موسى ومويس ، قال : وهي تذكر وتؤنث ، وهي من الفعل : مفعل ، والياء أصلية . الخامس : البحر خلاف البر ، قيل : سمي بذلك لعمقه واتساعه ، والجمع أبحر وبحار وبحور . وقال ابن السكيت : تصغير بحور وبحار أبيحر . ولا يجوز أن تصغر بحار على لفظها ، فتقول : بحير لان ذلك مضارع الواحد فلا يكون بين تصغير الواحد وتصغير الجمع إلاَّ التشديد ، والعرب تنزل المشدد منزلة المخفف ، والتركيب يدل على البسط والتوسع . واختلفوا في البحرين في قوله تعالى : * ( لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ) * ( الكهف : 60 ) فقيل : هو ملتقي بحري فارس والروم . مما يلي المشرق . وقيل : طنجة . وقيل : أفريقية . وذكر السهيلي : أنها بحر الأردن وبحر القلزم . وقيل : بحر المغرب وبحر الزقاق . قلت : بحر فارس ينبعث من بحر الهند شمالاً بين مكران ، وهي على فم بحر فارس من شرقيه ، وبين عمان وهي على فم بحر فارس من غربيه ، وبحر الروم هو بحر أفريقية والشام ، يمتد من عند البحر الأخضر إلى المشرق ، ويتصل بطرسوس ، وبحر طنجة بينها وبين سبتة وغيرهما من بر العدوة من الأندلس . وبحر أفريقية هو بحر طرابلس الغرب يمتد منها شرقاً حتى يتجاوز حدود أفريقية ، وهو الذي يتصل بإسكندرية ، والكل يسمى بحر الروم . وإنما يضاف إلى البلاد عند الاتصال إليها ، وبحر القلزم يأخذ من القلزم ، وهي بلدة للسودان على طرفه الشمال جنوباً بميله إلى المشرق ، حتى يصير عند القصير ، وهي فرصة قوص ، والأردن : بضم الهمزة وسكون الراء وضم الدال المهملتين ، وتشديد النون في آخرها ، بلدة من بلاد الغور من الشام ، ولا أعرف بحراً ينسب إليها وإنما نسب إليها نهر كبير يسمى نهر الأردن ، وهو نهر الغور ، ويسمى الشريعة أيضاً ، وآخره ينتهي إلى البحيرة المنتنة ، وهي بحيرة زغر . وبحر الزقاق بين طنجة وبر الأندلس ، هناك يسمى بحر الزقاق ، وهو يضيق هناك و : وبحر الغرب : وهو البحر الأخضر ، الذي لا يعرف إلاَّ ما يلي الغرب من أقاصي الحبشة إلى خلف بلاد الرومية ، وهي بحيث لا يدرك آخرها ، لأن المراكب لا تجري فيها ، وله خليج إلى الأندلس وطنجة . السادس : الخضر ، والكلام فيه على